الجصاص

89

الفصول في الأصول

الحكم إلا من هذه الجهة ، وأما أهل العلم فإنهم متى فقدوا الخبر المتواتر في إثبات الحكم ، رجعوا إلى استعمال النظر والاجتهاد . قيل له : إن القياس الشرعي لا يفضى ( 1 ) بنا إلى العلم بحقيقة الحكم ، وإنما هو غالب الظن . والأثر مقدم عليه ، وإن ورد من طريق الآحاد ، لأن المخبر يقول هذا حكم الله تعالى ، أيضا ولا يمكن أن يقول مثله في الاجتهاد . وأيضا : فإن الصحابة إنما كانوا يفزعون إلى القياس واجتهاد الرأي عند عدم الأثر عن الرسول عليه السلام في حكم الحادثة ، ولم يكونوا يستعملون النظر مع الأثر ، وقدمنا الأثر عليه باتفاقهم جميعا عليه . ( 2 ) واحتج من أبى قبول خبر الواحد بقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ( 3 ) وبقوله تعالى : ( وأن تقولوا ( 4 ) على الله ما لا تعلمون ) وبقوله تعالى : ( إلا ) ( 5 ) ( من شهد بالحق وهم يعلمون ) ( 6 ) وبقوله تعالى : ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) ( 7 ) وخبر الواحد لا يوجب العلم ، فانتفى قبوله بظاهر هذه الآيات ، وقال تعالى : ( إن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) . ( 8 ) وخبر الواحد عند قائليه موقوف على حسن الظن براويه . ( 9 ) وقد نفى سبحانه وتعالى بهذه الآية الحكم بالظن ، فانتفى بها قبول خبر الواحد . واحتجوا أيضا : أن النبي عليه السلام لم يجز قبول خبره في ( بدء دعائه ) ( 10 ) الناس إلى التصديق بثبوته ، إلا بعد ظهور المعجزات على ( 11 ) يديه ، وإقامة الدلائل الموجبة